
د.حايك
23.12.2011
هذه ثلاثة مصطلحات دخلت في معاجم الإعلام و منها النكبه و الإنتفاضه بلغتها العربيه الأصليه و الربيع بترجمته في مختلف اللغات العالميه و أصبحت هذه الكلمات رموزا لها معناها و خلفياتها و لو أنها ليست على وجه الدقه في ذهن الواحد أو الآخر و لكنها تتصل بالشعب الفلسطيني و الأمه العربيه و توحي بصورة شعب و ليس بنظام معين و لا يكاد يوجد أحد في الغرب و على الأقل من المثقفين لا يعرف هذه الكلمات و فحواها و أهميتها لهذه المنطقه الحساسه من العالم التي تتصل مباشرة بمصالحه و معيشته اليوميه .
و في هذه الكلمات الثلاثه يوجد أيضا تسلسل تاريخي و منطقي لا يأتي فيه ذكر إسرائيل و لكنه مضمور فلولا إسرائيل لم تكن النكبه و لولا النكبه لم تكن الإنتفاضه و لولا الإنتفاضه التي هددت إسرائيل في عقر دارها لما عقدت العزم على تفتيت الطاقه العربيه بعملاء لها و إذلال الفلسطينيين بالجدار و الحواجز و القوانين التعسفيه و كل هذا أدى إلى طفح الكيل و اشتعال النار في الهشيم بعد شرارة تونس .
و بيت القصيد أن محور كل هذه الأمور هو الشعب الذي قاسى و عانى ثم انتفض و ثار و هو بؤرة الأحداث و هو الذي يصنع تاريخ الأمه العربيه و هو الذي كان منسيا و لم يعملوا له حسابا . و لا يختلف الشعب العربي في هذا عن بقية الشعوب التي غيرت مجرى تاريخها بيدها فالحريه طبع في الإنسان و من مكوناته الأساسيه و بينما انتهت التطورات التاريخيه في بلاد أخرى بمرحله تابعه باستقرار نسبي لا تزال تتصدر فلسطين على مر السنين عناوين الأخبار و لم تصل المنطقه إلى هدوء و لا تخرج من مرحلتها التاريخيه بعد النكبه فهناك شيء يعيقها و له سبب واحد و هو إرادة الشعب التي لا ترضى بالواقع و تعيش معه تارة و تتفحص بوادر الأمل إذا كانت صادقه و نيات الحكام و وجوههم إذا كانت مخلصه فلم يأتي شيئ يرضيها و لم تفلح كل محولات ما يسمى بالسلام لأنه لم يكن له في أي وقت أي دعم شعبي و حدس الشعب و بديهته لا تخونانه و تكفيانه بلا تحاليل علميه و اعتبارات تكتيكيه.
و الأمر واضح للعيان في كل يوم في فلسطين من القتل و النهب و السلب و السرقه و معاملة الناس كقطيع و كل هذا ضد شعب في منزله و على أرضه و يقولون له و البندقيه مصوبه إلى رأسه و عائلته و أطفاله ينظرون هذه ليست أرضك و هذا ليس بيتك بل لأي يهودي يأتي من أي بقعه في العالم و له الحق بأن يأخذ مكانك . و كل التطورات منذ بناء أول مستعمره صهيونيه في فلسطين تدل على أن هذا مستمر و سوف يتوسع إلى باقي المنطقه مع إضعاف الخلفيه العربيه فالمهدد في نهاية الأمر ليس فقط فلسطين و لكن العالم العربي بأجمعه و لهذا يجب أن يأتي الجواب من هناك و من يقول بلدي أولا فهو ينسى المعادله الأكبر فحيثما ذهب بمطالب بلده سوف يصطدم بالحائط الإسرائيلي الصهيوني و لن يحرر نفسه إلا عندما يتحرر منه و بدلا من الإتجاه إلى الخارج على العرب أن يتجهوا إلى أنفسهم و هذا هو الطريق الوحيد , طريق الوعي و طريق المصير الواحد و العدو الواحد و آمال الشعب العربي . و إذا انفرد واحد "بعملية سلام" فسوف يرى كيف يمتصون دمه كما حصل مع غيره ثم يتخلون عنه آسفين فقط على أنه لم يعد ينفعهم.
و لن يتغير شيئ من هذا و لكن علينا نحن أن نغير ما بأنفسنا ففي مثل هذه الأحوال يوجد ممنوعات يجب التقيد بها و إلا كان هناك خطر على الحياه و من أولها العمل الإيجابي البناء المشترك و عدم الخصام و الإنخراط بكل غباء في متاهات فرعيه تنتهي بالسب و اللعن و كل من يفتح فمه بذلك فليتذكر أن المسدس الإسرائيلي مصوب إلى رأسه و رأس الجميع و أنه بمحاربته لأخيه يهدم بيته على رأسه و يعرض مستقبل أجياله لخطر محتوم . و لا حتى أصحاب السلام الناعم من الطرفين قادرين بأن يغيروا شيئا من هذا طالما الأخطبوط الصهيوني يتحكم في كل شيئ و نحن لا يجب أن نبني مستقبلنا على افتراضيات لا دلائل لها و أما الدلائل الموجوده فهي المخطط الصهيوني الذي يتم تنفيذه باستمرار و يوما بيوم و أنه لا يوجد أي إسرائيلي صهيونيا كان أم لا لا يقول لك بأن فلسطيننا بلده و هو يعتبرنا جيرانا له و هو يتألم لما يفعله جيشه فينا و يشجب ذلك بكل قوه و لكن إذا سألته عن حق العوده مثلا فسوف يتنصل و يختلق الأعذار. و نحن لا نريد أن نساوم معه بأي حال بأن فلسطين بلدنا و أرضنا.
الصهيونيه لم تسلبنا فقط المكان و ضيعت علينا الثمين من الزمان و لكنها تهدد مستقبلنا و مستقبل أجيالنا. و لن يتم تحقيق هويتنا و حريتنا و حرية كل العالم العربي إلا بالإنتصار الأكيد عليها. و هذا أمر حيوي يهم كل عربي من االثلاث مئة مليون و الذي نريد أن نراه حر القرار و المصير في أرضه و ينعم بخيراتها و ثرواتها فهو لديه الطاقه لتحقيق ذلك و التي بقيت موجوده في التاريخ المعاصر منذ النكبه و لم تتأثر بالنكسات. و هذا ما يبعث على الأمل و يهيب بكل الإنهزاميين أن يعودوا إلى الصف فلا حاجه للجري وراء سراب و لا يعيقونا بتقوية عدونا علينا بهم و ما كانوا له إلا وقودا !
إن بلادنا بلاد الأنبياء و الرسالات السماويه , و إلهامهم و ثباتهم من الله و ما أحوجنا إليهم و ما أقربهم إلينا في ثباتنا و لم يكن السيد المسيح الذي نحتفل بميلاده الآن مستسلما في تعذيبه و لكن بثبات الروح إنتصر عليهم و أعطى للناس معنى السلام الحقيقي الذي هو من قيمة الإنسان و كرامته.. " .. فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم و خسر نفسه "